النويري

438

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان ابتداء مرضه يوم السّبت سادس عشر صفر ؛ ونال المسلمون لوفاته من الألم ما لا يعبّر عنه . ولمّا مات دفن بقلعة دمشق في منزله ؛ وما زال ابنه الأفضل يتروّى في موضع ينقله إليه ، فشرع في بناء تربته عند مسجد القدم « 1 » وبنى عندها مدرسة للشّافعيّة . وأمر ببناء التّربة في سنة تسعين وخمسمائة ؛ فاتّفق وصول ابنه العزيز تلك السّنة من الدّيار المصريّة للحصار ، فخرب ما كان قد ارتفع من البناء . ثمّ أمر بعمارة القبّة في حدّ جامع دمشق ، فعمّرت ونقل إليها يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ؛ ومشى الأفضل أمام تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد ، « 2 » وأدخل منه إلى الجامع ، وصلَّى عليه قدّام باب السر ، صلَّى عليه القاضي محيى الدّين محمّد بن علي بإذن الأفضل . ثم حمل إلى لحده ، وألحده الأفضل وجلس في الجامع ثلاثة أيام . وكان الملك النّاصر رحمه اللَّه كريما جوادا شجاعا ، حسن الأخلاق ، مضت أكثر أيّامه في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى . قال ابن شدّاد : لمّا مات السّلطان لم يخلَّف في خزائنه من الذّهب والفضّة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريّة وجراما « 3 » واحدا ذهبا صوريّا ، ولم يخلَّف ملكا في سائر أنواع الأملاك . وحسب ما وهبه من الخيل في مدّة مقامه على عكَّا فكان تقديره اثنى عشر ألف رأس ؛ ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به ، وصاحبه يلازمه في طلبه ؛ وما حضر

--> « 1 » مسجد القدم ، جنوبي الحصباء بدمشق « 2 » باب البريد : أحد أبواب الجامع الأموي بدمشق . الدارس ج 2 ص 371 وما بعدها . « 3 » « جرما واحدا » في مفرج الكروب ج 2 ص 426 . وانظر أيضا الفتح القسي ص 629 ، حيث ذكر « ولم يخلف في خزانته سوى دينار واحد وستة وثلاثين درهما »